وردت أحاديث ورواياتٌ عدَّةٌ في فضل ليلة النصف من شعبان، منها ما أخذ بها العلماء ومنها ما ضعّفوه،[١] وبيّنوا حكم صيامها وقيامها، وأحكامًا أخرى متَّصلة بها، وفيما يأتي تفصيل ذلك.


حكم صيام النصف من شعبان

تعدّدت أقوال الفقهاء في حكم صيام النصف من شعبان، وفيما يأتي بيان أقوالهم ودليلهم فيما ذهبوا إليه:[٢]

  • القول الأوّل: ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بجواز صيام النصف من شعبان، واستدلوا على ذلك بما رواه عمران بن حصين -رضي الله عنه- أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: (يَا فُلاَنُ أَمَا صُمْتَ سُرَرَ هَذَا الشَّهْرِ؟ قَال الرَّجُل: لاَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ)؛[٣] حيث فسّر أصحاب هذا القول لفظة "سرر" الورادة في الحديث بأنّ معناها الوسط؛ أي وسط شهر شعبان، ممّا يدلّ على جواز صيام نصف شهر شعبان.
  • القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى القول بكراهة صيام النصف من شعبان، واستدلّوا على قولهم بحديث النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (إذا انتصف شعبانُ فلا تصوموا)؛[٤] فحملوا النهي الوارد في الحديث على الكراهة.
  • القول الثالث: ذهب الشافعيَّة إلى القول بحرمة صيام النصف من شعبان، مستدلّين بالحديث السابق الذكر الذي استدلّ به الحنابلة، إلّا أنّهم حملوا النهي الوارد فيه على الحرمة، ولأنّ الصيام في شعبان ربّما أدى إلى إضعاف الصائم في شعبان عن صيام رمضان.


حكم إحياء ليلة النصف من شعبان

استدلّ العلماء من مجموع الروايات والأحاديث الواردة في فضل ليلة النصف من شعبان على استحباب إحيائها بالصلاة والذكر والدعاء، ومن جملة ما استدلوا به؛ ما رُوي عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- أنّه قال في في فضل هذه الليلة: (يطَّلعُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى خلقِه ليلةَ النِّصفِ من شعبانَ فيغفرُ لعبادِه إلَّا اثنَيْن مشاحنٍ وقاتلِ نفسٍ)،[٥] على ألّا يكون إحياؤها بصورةٍ جماعيَّةٍ؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام-، إنّما يحيها المسلمون بشكلٍ فرديٍّ.[٦]


كما نبّه العلماء على ألّا عدم جواز تخصيص إحيائها بصلاة خاصَّةٍ أو هيئةٍ معيّنةٍ من العبادة، كالصلاة الألفيّة ونحوها؛ لأنّ ذلك كلّه لم يرد فيه نصٌّ شرعيٌّ، إنّما يتقرّب المسلم لله -تعالى- بالصلاة والذكر والدعاء ونحو ذلك دون تخصيصٍ بوجهٍ من وجوه العبادة.[٦]


حكم الصيام في شعبان

ذهب العلماء إلى القول باستحباب صيام أيّامٍ من شهر شعبان، واستدلّوا على ذلك بما ورد عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- من أحاديث تذكر أنّه كان كثير الصيام في شعبان، ومن ذلك ما روته أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: (لَمْ يَكُنِ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أكْثَرَ مِن شَعْبَانَ، فإنَّه كانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَكانَ يقولُ: خُذُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطِيقُونَ، فإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا)،[٧] وفي الرواية الواردة في صحيح مسلم من قول عائشة -رضي الله عنها-: (كانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلَّا قَلِيلًا).[٨][٩]


حكم صيام يوم الشك

يوم الشك هو اليوم الثلاثون من شعبان، وقد ذهب العلماء إلى القول بحرمة صيام يوم الشكّ، واستدلوا على ذلك بما رُوي عن عمار بن ياسر -رضي الله عنه- من حديث صلة بن زفر نّه قال: (كنَّا عندَ عمَّارٍ في اليومِ الَّذي يُشَكُّ فيهِ ، فأتىَ بشاةٍ ، فتنحَّى بعضُ القومِ ، فقالَ عمَّارٌ : من صامَ هذا اليومَ فقد عَصى أبا القاسِمِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ).[١٠][١١]

المراجع

  1. "تخصيص ليلة النصف من شعبان أو يومه بعبادة معينة بدعة"، إسلام ويب، 5/11/2001، اطّلع عليه بتاريخ 24/7/2022. بتصرّف.
  2. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 291-292. بتصرّف.
  3. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمران بن الحصين، الصفحة أو الرقم:1983، حديث صحيح.
  4. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2337، صححه الألباني.
  5. رواه المنذري، في الترغيب والترهيب، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم:132، إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما.
  6. ^ أ ب "حكم إحياء ليلة النصف من شعبان"، دائرة الإفتاء الأردنية، 11/6/2014، اطّلع عليه بتاريخ 24/7/2022. بتصرّف.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:1970، حديث صحيح.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:1156، حديث صحيح.
  9. سعيد بن وهف القحطاني، الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 364-365. بتصرّف.
  10. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن صلة بن زفر، الصفحة أو الرقم:2334 ، صححه الألباني.
  11. عبد الله الطيار، الفقه الميسر، صفحة 28. بتصرّف.