أوجب الله تعالى صيام شهر رمضان على كلّ مسلمٍ بالغٍ، عاقلٍ، قادر، مقيم، لا عذر يمنعه من الصيام، وقد ثبت ذلك الوجوب في نصوص القرآن الكريم والسنّة النبويّة، حيث قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)،[١] وقول النبيّ عليه الصلاة والسلام: "بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ"،[٢][٣] وتاليًا بيانٌ لحكم الإفطار عمدًا في رمضان.


الإفطار عمدًا في رمضان

حكم الإفطار عمدًا في رمضان

يحرُم على المسلم الإفطار في شهر رمضان عمدًا دون عذرٍ شرعيٍّ يُبيح الإفطار، فمن استوفى شروط التكليف الشرعيّ التي سبق بيانها، كان الصيام فريضةً واجبةً عليه، ولا يحلّ له الفِطْر إلّا لعذرٍ شرعيٍّ، كالمرض، والسفر، ونحوهما من الأعذار الشرعيّة المُعتبرة، والإفطار دون عذرٍ يُعدّ كبيرةً من كبائر الذنوب، التي تستوجب التوبة الصادقة، والإكثار من الاستغفار، والأعمال الصالحة، والندم على ما فات من التقصير، وقضاء ما أُفطِر من أيّامٍ دون عذرٍ شرعيٍّ،[٤][٥] وأداء كفّارةٍ واجبةٍ آتيًا بيانها.[٦]


كفّارة مَن أفطر عمدًا في رمضان ومقدارها

الكفّارة في اللغة مأخوذة من الكَفْر؛ أي التغطية والستر، والكفارة شرعًا هي: فعلٌ من شأنه أن يمحو الإثم، ولها ثلاثةُ أنواع: عتق رقبةٍ، والصيام، وإطعام المساكين، ولها شروطٌ مخصوصة،[٧] وصور تعمّد الإفطار الموجب للكفّارة في شهر رمضان تنقسم، إلى قسمين هما: الإفطار بالجماع أو الإفطار بغير الجماع كالأكل والشرب، وتاليًا بيانهما.


تعمُّد الإفطار في نهار رمضان بالجِماع

اتّفق العلماء على وجوب الكفّارة في حقّ مَن جامع زوجته في فرجها في نهار رمضان عامدًا من غير عذرٍ؛ سواءً أنزل أم لا،[٨] وبيّن النبي -عليه الصلاة والسلام- مقدار الكفّارة في حديثه مع الأعرابيّ الذي أفسد صومه بالجماع، وذلك فيما روي عنه: "بيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: ما لَكَ؟ قَالَ: وقَعْتُ علَى امْرَأَتي وأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا، فَقَالَ: فَهلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكَثَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَبيْنَا نَحْنُ علَى ذلكَ أُتِيَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - والعَرَقُ المِكْتَلُ - قَالَ: أيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أنَا، قَالَ: خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ به فَقَالَ الرَّجُلُ: أعَلَى أفْقَرَ مِنِّي يا رَسولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ ما بيْنَ لَابَتَيْهَا -يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ- أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِن أهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أطْعِمْهُ أهْلَكَ"؛[٩][١٠] فكفارة الإفطار بالجماع في نهار رمضان؛ هي عتق رقبة، فإن لم يقدر فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يقدر فإطعام ستّين مسكينًا، وتجب هذه الكفّارة على الترتيب في مذهب جمهور العلماء.[١١]


تعمُّد الإفطار في نهار رمضان بغير الجِماع

اختلف العلماء في وجوب الكفّارة في حقّ مَن أفطر في نهار رمضان عامدًا من غير عذرٍ بغير الجِماع؛ كالأكل والشرب، ونحوهما من الأمور المباحة في الأصل، وحُرِّمت لعارض الصيام، وذهبوا في خلافهم إلى قولَين، بيانهما على النحو الآتي:[١٢]

القول الأوّل: وجوب الكفّارة، وبه قال الحنفيّة والمالكيّة.

القول الثّاني: عدم وجوب الكفّارة، وبه قال الشافعيّة والحنابلة؛ لأنّ كفارة الإفطار عمدًا وردت في حديث الأعرابي خاصّةً بالجماع، ولم يذكر النص الإفطار عمدًا بغير الإجماع.


المراجع

  1. سورة البقرة، آية:183
  2. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:8، صحيح.
  3. سعيد بن وهف القحطاني، الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة، صفحة 48. بتصرّف.
  4. البغوي، التهذيب في فقه الإمام الشافعي، صفحة 179. بتصرّف.
  5. "حكم من أفطر في رمضان من غير عذر ."، الإسلام سؤال وجواب، 18-09-2015، اطّلع عليه بتاريخ 21-9-2021. بتصرّف.
  6. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 55. بتصرّف.
  7. مجموعة من المؤلفين، الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي، صفحة 113. بتصرّف.
  8. ابن القطان، الإقناع في مسائل الإجماع، صفحة 235. بتصرّف.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:1936، صحيح .
  10. "كفارة الجماع في نهار رمضان"، اسلام ويب، 1-11-2001، اطّلع عليه بتاريخ 21-9-2021. بتصرّف.