حكم التخبيب

يحرم التخبيب في الشريعة الإسلامية؛ لِما يترتّب عليه من الضرر والإفساد، وهو منكرٌ عظيم، وإثمه كبير، والخبّ لغةً يعني الفساد والغشّ والخبث، والتخبيب هو إفساد المرء على غيره، ولا يقتصر ذلك على الحياة الزوجية، بل ينطبق كذلك على تخبيب الصديق على صديقه، والمدير على العامل عنده، ونحو ذلك، ولكنّه اشتهر في تخبيب أحد الزوجين على الآخر.[١]


ويكون تخبيب الزوجة على زوجها بتحسين الطلاق إليها، أو بإفسادها عليه، وكذا العكس، وقد دلّ على تحريم التخبيب عموماً العديد من النصوص الشرعية، ومنها:[١]

  • قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ليس مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امرأةً على زَوجِها، أوْ عَبدًا على سيِّدِه).[٢]
  • قوله -عليه الصلاة والسلام-: (الفاجرُ خِبٌّ لئيمٌ).[٣]
  • قوله -عليه الصلاة والسلام-: (من خبَّبَ زوجةَ امرئٍ، أو مملوكةً فليس منا).[٤]


ويُمكن أن يقع تخبيب أحد الزوجين على الآخر مِن قِبَل أهل الزوج أو الزوجة، وهذا كلّه محرّم،[٥] ويُقاس عليه كلّ ما يؤدّي إلى إفساد أحدٍ على غيره، سواء كان ذلك بقصد الإفساد بين الأصدقاء، أو الإخوة، أو الابن ووالده، أو المدير والموظّف عنده، أو المعلم وطالبه.[٦]


حكم زواج المخبِّب بمن خبّبها

إنّ سعي الرجل في إفساد امرأةٍ على زوجها من أجل الزواج منها من الذنوب العظيمة، خاصة إذا اقترن مع ذلك الخلوة بها والتواصل معها وتحريك مشاعرها تجاهه، ولا تُعفى المرأة من الإثم أيضاً إنْ سعت في إفساد بيتها وحياتها الزوجية بسبب رجلٍ آخر.[٧]


وإنْ حصل وانفصلت المرأة عن زوجها وتزوّجها المُخبِّب بعد انتهاء عدّتها فجمهور العلماء يروْن صحّة عقد الزواج رغم إثم التخبيب العظيم على الرجل والمرأة، وخالف بعض المالكية وبعض الحنابلة ذلك، فقالوا ببطلان هذا العقد ووجوب المفارقة؛ لأنّ المخبِّب عصا الله في فعله هذا، وسدَّاً للذرائع حتى لا يتّخذ الناس ذلك وسيلةً للإفساد بين الزوجين.[٧]


وقد انفرد المالكية بالتفصيل في هذه المسألة، فقالوا: إنّ نكاح المُخبِّب بمَن خبّبها يُفسخ، سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده، أمّا حرمة تأبيد المُخبَّبة على الرجل الذي أفسدها ففيه رأيان في المذهب، وهما:[٨]

  • القول الأول (المشهور في المذهب): لا يتأبّد تحريم المرأة على مَن خبّبها، فإن رجعت إلى زوجها ثمّ طلّقها أو مات عنها جاز للمفسد أن يتزوّجها.
  • القول الثاني: يتأبّد تحريم المرأة على مَن أفسدها، وقال به بعض فقهاء المذهب.


كفارة وعقوبة التخبيب

لا بدّ أن يعلم مَن وقع في هذا الإثم عِظم ذنب ما ارتكبه، فقد قال ابن القيم -رحمه الله-: "... وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَتَبَرَّأَ مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَأَنْ يَسْتَامَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْعَى فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ رَجُلٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِهِمَا"؟![٩]


ثمّ أكمل وقال: "... فَفِي ذَلِكَ مِنْ إِثْمِ ظُلْمِ الْغَيْرِ مَا لَعَلَّهُ لَا يَقْصُرُ عَنْ إِثْمِ الْفَاحِشَةِ، وَإِنْ لَمْ يُرَبَّ عَلَيْهَا، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْغَيْرِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْفَاحِشَةِ، فَإِنَّ التَّوْبَةَ وَإِنْ أَسْقَطَتْ حَقَّ اللَّهِ فَحَقُّ الْعَبْدِ بَاقٍ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... فَظُلْمُ الزَّوْجِ بِإِفْسَادِ حَبِيبَتِهِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى فِرَاشِهِ - أَعْظَمُ مِنْ ظُلْمِهِ بِأَخْذِ مَالِهِ كُلِّهِ، وَلِهَذَا يُؤْذِيهِ ذَلِكَ أَعْظَمَ مِمَّا يُؤْذِيهِ أَخْذُ مَالِهِ...".[٩]


وعلى مَن وقع في هذا الذنب أن يتوب إلى الله -تعالى- توبةً صادقة، ويسأله المغفرة على ما فعله، ويندم على ذلك، ويردّ الحقوق والمظالم إلى أهلها، ولذلك على المرأة أن ترجع إلى بيتها وأسرتها، وتعتذر إلى زوجها عن طريق بعض المقرّبين منها إذا أمِنت حصول الضرر، فإن عفا زوجها وعادت إليه فهو المطلوب، فإن رفض ولم يقبل إرجاعها فللرجل الذي أفسدها سابقاً أن يتزوّجها مع استشعار الندم على ما فات، والتوبة منه، وطلب العفو من الله -تعالى-.[٧]

المراجع

  1. ^ أ ب مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 18-19، جزء 11. بتصرّف.
  2. رواه الحاكم، في المستدرك على الصحيحين، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2834، صحيح على شرط البخاري.
  3. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1964، حسنه الألباني.
  4. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:5170، صححه الألباني.
  5. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، فتاوى اللجنة الدائمة، صفحة 383، جزء 19. بتصرّف.
  6. عبد المحسن العباد، شرح سنن أبي داود للعباد، صفحة 33، جزء 586. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت محمد صالح المنجد، الإسلام سؤال وجواب، صفحة 1873، جزء 7. بتصرّف.
  8. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 19-20، جزء 11. بتصرّف.
  9. ^ أ ب الجواب الكافي، الداء والدواء، صفحة 216.