حكم غسل الرجلين مرة واحدة في الوضوء

يجوز غسل الرجلين مرةً واحدةً في الوضوء، لأنّ من فرائض الوضوء: غسل الرجلين إلى الكعبين مرةً واحدة، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)،[١][٢] وقال النووي -رحمه الله-: "أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً مَرَّةً وَعَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ"،[٣] ولكن هذا أدنى الكمال.


لِذا فمن غسل رجليه مرةً واحدة في الوضوء أجْزَأَه فعل ذلك، وليس عليه إعادة وضوئه، وقد أجمع أهل العلم على أنّ الواجب هو غسل الأعضاء مرة مرة، أما المرَّتان والثلاث فهي سنّة، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: (تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً مَرَّةً)،[٤] ولكن على المسلم أن لا يُداوم على فعل ذلك؛ حتى لا يخسر أجر اتّباع سنة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في الغسل ثلاثاً، فهي الكيفية الأكمل، وفيها المزيد من الأجر والثواب.[٥]


حكم غسل الرجلين دفعة واحدة

إذا كان المقصود غسل الرجلين دفعةً واحدةً؛ كأنْ يُنْزِلَهما في ماء نهر دفعةً واحدةً أو يضعهما معاً تحت صنبور الماء؛ فوضوئه صحيح، ولكنّه خلاف السّنة، وبالرغم من أنّ الشافعية والحنابلة ومن وافقهم من أهل العلم عدّوا الترتيب في الوضوء واجباً، بمعنى أنّه لا يصح الوضوء بدونه،[٦] مستندين إلى دلالة السياق في قوله -تعالى-: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)،[١][٧] إلا أنّهم نظروا إلى القدمين على أنّهما عضوٌ واحد؛ فلا ينطبق حكم الترتيب عليهما؛ بمعنى جاز تقديم غسل أحدهما على الآخر.


يقول ابن قدامة في المغني: "وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاحِدٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ)، وَالْفُقَهَاءُ يَعُدُّونَ الْيَدَيْنِ عُضْوًا، وَالرِّجْلَيْنِ عُضْوًا، وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ"،[٨] وبناء على ذلك جاز غسلهما دفعةً واحدة، ولكنّه لا يُستحسن بالمسلم فعله أو تعوّده، والأوْلى والأكمل لصحة وضوئه أنْ يغسل كلّ رِجْلٍ إلى الكعبين بشكلٍ منفردٍ عن الأخرى.


حكم التفاوت في عدد مرات غسل أعضاء الوضوء

يُقصد بالتفاوت في عدد مرات غسل أعضاء الوضوء؛ أي غسل أحدها ثلاثاً والآخر مرَّةً مثلاً، أو غسل الرجل الأولى مرّتين والأخرى ثلاث مرات، وحكم ذلك الجواز، فمن فعل هذا الأمر لا يبطل وضوؤه، وقد قال الشيرازي -رحمه الله-: "إن خالف بين الأعضاء فغسل بعضها مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثاً جاز"،[٩] والأوْلى أن يغسل المسلم أعضاء الوضوء ثلاثاً ثلاثاً اتِّباعاً للسنّة والأكمل.


ويدلّ على الجواز أنّ الفرض في غسل الأعضاء هو مرةً مرةً كما أوضحنا سابقا، أمّا مَن اتّبع السنّة في وضوئه ولكنّه شكّ هل غسل رجله اليُسرى مرتين أم ثلاثة مثلاً؛ فيبني على اليقين، ويعتبر أنّه غسلها مرّتين، ويُكمل الثالثة، يقول النووي -رحمه الله-: "إذا شك فلم يدر أغسل مرتين أم ثلاثا؟ فمقتضى كلام الجمهور أنه يبني على حكم اليقين، وأنهما غسلتان، فيأتي بثالثة".[١٠]


حكم الزيادة على ثلاث في الوضوء

اتّفق الفقهاء الأربعة على كراهة الزيادة على ثلاث في غسل أعضاء الوضوء، ونُقِل الإجماع على ذلك، إذ لم يرد عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه غسل أعضاء وضوئه أكثر من ثلاث مرات، لِذا فإن الزيادة على هذا العدد تعتبر تجاوزاً لِما فعله النبيّ الكريم، وممّا يدلّ على كراهة الزيادة على ثلاث:[١١]

  • عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: (جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ يسألُهُ عنِ الوُضوءِ؟ فأراهُ الوُضوءَ ثلاثًا، ثمَّ قالَ: هكَذا الوُضوءُ فمَن زادَ علَى هذا فقَد أساءَ وتعدَّى وظلمَ).[١٢]
  • عن عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه- قال: (إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: يكونُ في هذه الأُمَّةِ قومٌ يَعتَدونَ في الدُّعاءِ والطُّهورِ).[١٣]



مواضيع أخرى:

الترتيب في الوضوء واجب أم مستحب؟

هل تخليل اللحية في الوضوء مستحب؟

المراجع

  1. ^ أ ب سورة المائدة، آية:6
  2. حسين العوايشة، الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة، صفحة 97، جزء 1. بتصرّف.
  3. النووي، شرح النووي على مسلم، صفحة 106، جزء 3.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم:157، صحيح.
  5. "يجزئ غسل الرجل مرة واحدة في الوضوء"، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 27/12/2022. بتصرّف.
  6. عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، صفحة 58، جزء 1. بتصرّف.
  7. "التَّرتيب في الوضوء"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 27/12/2022. بتصرّف.
  8. ابن قدامة، المغني، صفحة 101، جزء 1.
  9. الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، صفحة 42، جزء 1. بتصرّف.
  10. "حكم التفاوت في عدد مرات غسل أعضاء الوضوء"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 27/12/2022. بتصرّف.
  11. "حُكم الزِّيادة على الثَّلاث في الوضوء"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 27/12/2022. بتصرّف.
  12. رواه النسائي، في سنن النسائي، عن عبدالله بن عمرو، الصفحة أو الرقم:140، قال الألباني حسن صحيح.
  13. رواه الحاكم، في المستدرك على الصحيحين، عن عبدالله بن مغفل، الصفحة أو الرقم:2005، صحيح الإسناد.